محمد بن جرير الطبري

314

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

ذلك بمعنى جحود جميعه ، ولأنه لا يصح إيمان أحدٍ من الخلق إلا بالإيمان بما أمره الله بالإيمان به ، ( 1 ) والكفر بشيء منه كفر بجميعه ، فلذلك قال : " ومن يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر " ، بعقب خطابه أهل الكتاب وأمره إياهم بالإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم ، تهديدًا منه لهم ، وهم مقرّون بوحدانية الله والملائكة والكتب والرسل واليوم الآخر ، سِوى محمد صلى الله عليه وسلم وما جاء به من الفرقان . * * * وأما قوله : " فقد ضل ضلالا بعيدًا " ، فإنه يعني : فقد ذهب عن قصد السبيل ، وجار عن محجَّة الطريق ، إلى المهالك = ذهابًا وجورًا بعيدًا . لأن كفر من كفر بذلك ، خروجٌ منه عن دين الله الذي شرعه لعباده . والخروج عن دين الله ، الهلاك الذي فيه البوار ، والضلال عن الهدى هو الضلال . ( 2 ) * * * القول في تأويل قوله : { إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلا ( 137 ) } قال أبو جعفر : اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك . فقال بعضهم : تأويله : إن الذين آمنوا بموسى ثم كفروا به ، ثم آمنوا = يعني : النصارى = بعيسى ثم كفروا به ، ثم ازدادوا كفرًا بمحمد = " لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم سبيلا " .

--> ( 1 ) لما أدخل الناشر الأول ذلك الحذف على الكلام ، اضطر في هذا الموضع أن يجعل العبارة : " وذلك لأنه لا يصح إيمان أحد من الخلق . . . " فزاد " ذلك " في الكلام . ( 2 ) انظر تفسير " الضلال البعيد " فيما سلف ص : 206 ، 207 ومعنى " الضلال " 1 : 195 / 2 : 495 ، 496 ، وغيرهما في فهارس اللغة .